Image

لدي قروبات عديدة جداً في برنامج “الوتس أب ” من مختلف المناطق ومختلف التوجهات الفكرية والدينية ,, فقررت القيام بتجربة صغيرة لأرى مدى تقبل الناس للفكر المخالف .

فكانت ردة الفعل أسوأ مما كنت أتخيل كنت أعتقد بأن الناس أصبحوا أكثر وعياً ولكني كنت مخطئة فالوضع الفكري في مجتمعنا سيء للغاية ,التجربة كانت عبارة عن إرسالي لجميع القروبات رأي فقهي معين أجمعوا عليه الأئمة الأربعة ( ولكن الشيخ بن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله لهما رأي مخالف في هذا الأمر الفقهي) ,,,  أنا لم أبدي رأيي الشخصي في البرودكاست بل أني مجرد نقلت رأي الأئمة في أمر اجتهدوا فيه ,,, وبعد عدة ثواني انهالت عليّ الشتائم ,,, بأني ضالة مضلة ,, وأهرف بما لا أعرف ,, وأني أقود الناس للنار بنقلي لهذا الرأي ,, وبأني منحرفة وعلمانية ,, بل وصل الأمر بأن أرسلت لي إحداهن على الخاص بأن تدعوني لأعود لطريق الحق والصواب وتدعوني أن لا أنشر ذلك الرأي (والذي أجمع عليه الفقهاء الأربعة!) وتتحدث معي وكأنها ضمنت لنفسها الجنة وحكمت لي بالنار.

 لم تزعجني تلك الشتائم بقدر ما ألمني انتشار الجهل بالدين لم أكن أتصور بأي حال من الأحوال أن يكون هناك  هذا القدر من الجهل بالدين في بلد يدرس فيه من الصفوف الأولى  إلى المرحلة الجامعية , ولكن ليس بمستغرب حين لا أجد موضوعاً واحداً خلال جميع المراحل الدراسية تتحدث عن آداب الخلاف وتوضح أن هناك أصول وفروع في الدين والأصول ثابتة لا خلاف فيها أما الفروع فجميع الفقهاء من عهد الصحابة إلى يومنا هذا اختلفوا في جميع الأمور الفرعية ,, وأن هذا الاختلاف في الفروع لا تمس العقيدة .

قد لا تصدقوا حين أخبركم أن الأشخاص الذين تعصبوا لرأي الشيخ ابن باز ووصفوني بتلك الأوصاف لا “يطبقون” الرأي الذي تعصبوا من أجله بل حتى أنهم ليسوا (ملتزمين دينياً) كما نصفهم بالعامية ,,, إذاً ما سبب تعصبهم ؟  وما سبب هذا الغضب تجاه الرأي المخالف؟ هل هو بالفعل حرصاً على الدين ؟ لو كان كذلك لماذا لا يطبقونه أولاً ؟ ولماذا هذا الحرص على أن لا يذنب الناس ولا يحرصوا على أن لا يقعوا هم في الذنب ؟

اكتشفت أن الموضوع ليس جهلا بالدين فحسب بل له أبعاد نفسية ,, هل تذكرون الاعتقاد السائد قديماً بوجوب قلب الحذاء إذا كان موجهاً للسماء ,,,  الكثير يخبرني اليوم بأنهم يشعرون بالضيق وعدم الراحة إذا كان الحذاء مقلوباً ويجب أن يعدلوه حتى بعد معرفتهم بأن هذا الاعتقاد لا أصل له !

الشخصيات العاطفية (نقيض العقلانية) لديهم ارتباط عاطفي بالفكرة ,,, فتجدهم يتعلقون تعلق شديد بأي فكرة تلقنوها منذ الطفولة حتى لو كانت تخالف العقل والمنطق وحتى لو لم يطبقوها شخصيا ,, هؤلاء الأشخاص لا تمر الفكرة على عقولهم بل تتجه مباشرة لعاطفتهم فيؤمنون بها اشد الإيمان ويتعلقون بها أشد التعلق,,, وعادة هؤلاء الأشخاص هم من يتمسك بالعادات والتقاليد وبرأي الوالدين ومن تلقنوا التعليم على يديه حتى لو كان مخالفا للعقل والمنطق والنصوص الصريحة !!

فالشخص الذي لا يأخذ إلا بقول الشيخ (س)  يعتقد بأن بأنه هو فقط الصواب  وغيره من الفقهاء على خطأ لأنه أرتبط ارتباطأ عاطفياً بأراء الشيخ ولن يتنازل عن فكرته حتى لو كانت مخالفة للنصوص الصريحة مهما حاولت أقناعه, إلا أن يغير الشيخ (س) قوله .

 

خلال التجربة لم أحاول أن أناقشهم بطريقة عقلانية لأني كنت أعلم أنهم سيقولون هل أنتي أعلم من الشيخ فلان والشيخ فلان؟ فكل ما فعلته نقلت لهم رأي الأئمة الأربعة واستشهدت بخمسة أدلة صحيحة صريحة مقابل دليل واحد غير صريح استشهدت به أحداهن مع تمسكها بكل تعصب بقول “داعية” ( لها رأي مخالف للأئمة) ,,, فهناك أشخاص يتعلقون بالدعاة الذين في عصرهم ويثقون بكل ما يقولونه بل يسلمون لهم عقولهم لمجرد أنهم ألفوا كلامهم ووجودهم في زمنهم حتى لو كان كلامهم لا أدلة صريحة عليه أو غير موافق للعقل.

هذا الرفض للفكر المخالف في الأمور” الفقهية الاجتهادية” ورفض الأشخاص الذين يحملون فكر مخالف واتهامهم بنقص دينهم, وبأنهم ضالون,وأصحاب هوى,ويدسون السم في العسل, وزنادقة, ويشككون في نواياهم , بل قد يكفرونهم ويخرجونهم من الملة ويحكمون عليهم بدخول النار,, سبب نفور الناس من المجتمع الإسلامي وارتمائهم في أحضان مجتمعات تمنحهم حرية الاختيار دون الحكم عليهم .

 على الرغم بأن الشيخ ابن عثيمين نفسه والذي يتعصب لفكره الملايين ذكر في إحدى محاضراته “أن الخلاف رحمة وأن الشخص يختار القول الذي يرتاح له ,وبعد أن يختار يجب أن لا يفرضه على أحد” وتحدث الكثير من الدعاة والمشايخ والإعلاميين عن آداب الاختلاف ومع ذلك التغيير الفكري بطيء جدا في المجتمع .

 فأرى أنه أصبح من الضروري حسم هذا الموضوع  بأن يدخل آداب الخلاف ضمن مناهج الدين في التعليم كي نلحظ تغييراً فكرياً في المجتمع,,,  يجب أن يوضح الفرق بين الأصول والفروع في الدين ,, وأن للفرد المسلم الحق في اختيار الرأي الذي يراه مقنعاً ومدعوماً بالأدلة ,دون أن يعاب عليه أو يتم إقصائه أو محاربته .

يجب أن يعلم من يفرض الآراء المتشددة ويخفي الآراء الأكثر يسراً بحجة حماية الدين فقد أساء للدين وتعدى على الله,لأن الله لو أراد أن ينزل آية صريحة لكل أمر فرعي لفعل وما احتاجوا الناس للاجتهاد ولكنه لم يفعل !,,, وإن إقصاء جميع الآراء المخالفة للشيخ (س) بحجة سد الذرائع حجة واهية ,لأن الله سبحانه وتعالى لو أراد سدها لفعل ,, ولكن لرحمة الله بخلقه لاختلاف طبائعهم وعقولهم وبيئاتهم أوجد هذا الاختلاف في الأمور الفقهية .  

أتفهم هذا الحرص على الدين من بعض المتشددين,وخاصة أن الدين اليوم محارب بشكل كبير, ولكن يجب أن لا يخلط بين من يأخذ بقول مخالف له أدلته وبين من يصدر فتاوي لا تستند لأي دليل فقط لأنها توافق هواه .